الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
12
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مهم ، فقد يتساءل أحد : كيف سلط الله العادل الرحيم عدوا بهذه القوة على الإنسان . . . عدوا لا يمكن مقايسة قواه بقوى الإنسان . . . عدوا يذهب حيث يشاء دون أن يحس أحد بتحركاته ، بل إنه - حسبما جاء في بعض الأحاديث - يجري من الإنسان مجرى الدم في عروقه ، فهل تنسجم هذه الحقيقة مع عدالة الله سبحانه ؟ ! الآية الشريفة - في خاتمتها - ترد على هذا السؤال الاحتمالي إذ تقول : إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون . أي إن الشياطين لا يسمح لهم قط بأن يتسللوا وينفذوا إلى قلوب وأرواح المؤمنين الذين لم يكونوا على استعداد لقبول الشيطان والتعامل معه . وبعبارة أخرى : إن الخطوات الأولى نحو الشيطان إنما يخطوها الإنسان نفسه ، وهو الذي يسمح للشيطان بأن يتسلل إلى مملكة جسمه . فالشيطان لا يستطيع اجتياز حدود الروح ويعبرها إلا بعد موافقة من الإنسان نفسه ، فإذا أغلق الانسان نوافذ قلبه في وجه الشياطين والأبالسة ، فسوف لا تتمكن من النفوذ إلى باطنه . إن الآيات القرآنية الأخرى شاهدة أيضا على هذه الحقيقة ، ففي سورة النحل في الآية ( 100 ) نقرأ إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ، فالذين يتعشقون الشيطان ويسلمون إليه زمام أمرهم ويعبدونه هم الذين يتعرضون لسيطرته ووساوسه . وفي الآية ( 47 ) من سورة الحجر نقرأ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين . وبعبارة أخرى : صحيح أننا لا نرى الشيطان وجنوده وأعوانه ، إلا أننا نستطيع أن نرى آثار أقدامهم ، ففي كل مجلس معصية ، وفي كل مكان تهيأت فيه وسائل الذنب ، وفي كل مكان توفرت فيه زبارج الدنيا وبهارجها ، وعند طغيان الغرائز ، وعند اشتعال لهيب الغضب ، يكون حضور الشيطان حتميا ومسلما ، وكأن